ابن حجر العسقلاني
216
فتح الباري
في البنيان مضاف إلى الجدار عرفا وبان الأمكنة المعدة لذلك مأوى الشياطين فليست صالحة لكونها قبلة بخلاف الصحراء فيهما وقال قوم بالتحريم مطلقا وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد وقال به أبو ثور صاحب الشافعي ورجحه من المالكية ابن العربي ومن الطاهرية ابن حزم وحجتهم ان النهى مقدم على الإباحة ولم يصححوا حديث جابر الذي أشرنا إليه وقال قوم بالجواز مطلقا وهو قول عائشة وعروة وربيعة وداود واعتلوا بأن الأحاديث تعارضت فليرجع إلى أصل الإباحة فهذه المذاهب الأربعة مشهوره عن العلماء ولم يحك النووي في شرح المهذب غيرها وفى المسئلة ثلاثة مذاهب أخرى منها جواز الاستدبار في البنيان فقط تمسكا بظاهر حديث ابن عمر وهو قول أبى يوسف ومنها التحريم مطلقا حتى في القبلة المنسوخة وهى بيت المقدس وهو محكى عن إبراهيم وابن سيرين عملا بحديث معقل الأسدي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط رواه أبو داود وغيره وهو حديث ضعيف لان فيه راويا مجهول الحال وعلى تقدير صحته فالمراد بذلك أهل المدينة ومن على سمتها لان استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة فالعلة استدبار الكعبة لا استقبال بيت المقدس وقد ادعى الخطابي الاجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن لا يستدبر في استقباله الكعبة وفيه نظر لما ذكرناه عن إبراهيم وابن سيرين وقد قال به بعض الشافعية أيضا حكاه ابن أبي الدم ومنها ان التحريم مختص باهل المدينة ومن كان على سمتها فأما من كانت قبلته في جهة المشرق أو المغرب فيجوز له الاستقبال والاستدبار مطلقا لعموم قوله شرقوا أو غربوا قاله أبو عوانة صاحب المزنى وعكسه البخاري فاستدل به على أنه ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة كما سيأتي في باب قبلة أهل المدينة من كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى ( قوله فلا يستقبل ) بكسر اللام لان لا ناهية واللام في القبلة للعهد أي للكعبة ( قوله ولا يولها ظهره ) ولمسلم ولا يستدبرها وزاد ببول أو بغائط والغائط الثاني غير الأول أطلق على الخارج من الدبر مجازا من اطلاق اسم المحل على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه وحصل من ذلك جناس تام والظاهر من قوله ببول اختصاص النهى بخروج الخارج من العورة ويكون مثاره اكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة ويؤيده قوله في حديث جابر إذا هرقنا الماء وقيل مثار النهى كشف العورة وعلى هذا فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلا وقد نقله ابن شاش المالكي قولا في مذهبهم وكان قائلة تمسك برواية في الموطأ لا تستقبلوا القبلة بفروجكم ولكنها محمولة على المعنى الأول أي حال قضاء الحاجة جمعا بين الروايتين والله أعلم وسيأتي الكلام على قول أبى أيوب فننحرف ونستغفر حيث أورده المصنف في أوائل الصلاة إن شاء الله تعالى ( قوله باب من تبرز ) بوزن تفعل من البراز بفتح الموحدة وهو الفضاء الواسع كنوا به عن الخارج من الدبر كما تقدم في الغائط ( قوله على لبنتين ) بفتح اللام وكسر الموحدة وفتح النون تثنية لبنة وهى ما يصنع من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق ( قوله يحيى بن سعيد ) هو الأنصاري المدني التابعي وكذا شيخه وشيخ شيخه في الأوصاف الثلاثة ولكن قيل إن لواسع رؤية فذكر لذلك في الصحابة وأبوه حبان هو ابن منقذ بن عمرو له ولأبيه صحبة وقد تقدم في المقدمة أنه بفتح المهملة وبالموحدة ( قوله إنه كان يقول ) أي ابن عمر كما صرح به مسلم في روايته وسيأتي لفظه قريبا فأما من زعم أن الضمير يعود على واسع فهو وهم منه وليس قوله فقال ابن عمر